يستند المسايرون
لفكرة مداهنة الديموقراطية بدعوى التدرج في تطبيق الشريعة إلى أن عمر بن
عبدالعزيز لما ألحَّ عليه ابنه في تغيير مناكير بني أمية كلها، قال له: يا
بني: "أما يكفيك أني أميت كل يوم بدعة وأحيي سنة؟".
ومن هذا المنطلق يرى هؤلاء أنهم يريدون تغيير الواقع الغير إسلامي بالتدريج، وأن دخولهم في اللعبة الديمقراطية يدخل تحت هذا الباب.
تصدى الباحثون الشرعيون لتفنيد هذه الدعوى فبينوا الآتي:أولا: أن النصوص الصريحة من الكتاب والسنة تتعارض مع النظام الديمقراطي، ومن ثم لا تجوز معارضة هذه النصوص بقول عمر بن عبدالعزيز.
ثانيا: أن التدرج الذي عناه عمر مخالف تماما للتدرج الذي يدعو إليه المسايرون للديموقراطية، فتدرج "
عمر"
لم يكن فيه تحريم الحلال ولا تحليل الحرام ولا انتهاك لما حرم الله ولا
شرك بالله.. وإنما كان يعني خطة عمل تمكنه من تغيير المنكرات شيئا فشيئا
حتى لا يثور عليه بنو أمية، وكلامه هذا دالٌّ على أنه كان عاجزًا عن تغيير
هذه المناكير جملة؛ نظرا لنفوذ المفسدين من بني أمية، فلا يجب عليه من
تغيير المنكر إلا ما استطاعه.. وإذا جاز في حقه السكوت عن بعض المنكرات
لعجزه عن تغييرها، فهذا لا يبيح له الدخول في المحرمات.
ثالثا: أن "
عمر بن عبدالعزيز"
كان كل يوم يحيي سنة ويميت بدعة، أما دعاة الديموقراطية فقد كانوا على عكس
من ذلك، فقد كانوا يميتون السنن ويحيون البدع وأمثلة ذلك ما يلي:
1- أماتوا سنة التحاكم إلى القرآن الكريم، وأحيوا بدعة التحاكم إلى الدستور.
2- أماتوا سنة الولاء والبراء في الدين، وأحيوا بدعة الولاء الوطني والقومي.
3- أماتوا سنة الفصل والتمييز بين الرجال والنساء، وأحيوا بدعة الاختلاط والتسوية بين الجنسين.
4- أماتوا سنة قرار المرأة في بيتها، وأحيوا بدعة مشاركة النساء في كل ميدان.
5- أماتوا سنة الدعوة إلى النقاب والاحتشام، وأحيوا بدعة الدعوة إلى السفور.
6- أماتوا سنة التمسك بالكتاب والسنة، وأحيوا بدعة التمسك بالمصلحة.
7- أماتوا سنة الغيرة على محارم الله تعالى وأحيوا بدعة المداهنة والركون إلى الظالمين.
8- أماتوا سنة المظهر الإسلامي في اللحية وتقصير الثوب، وأحيوا بدعة حلق اللحية، والتشبُّه بالنصارى في الهيئة والملبس.
رابعا: أن تغيير الواقع بين عشية وضحاها غير مطلوب؛ لأنه ليس بمقدور أحد، وإنما
المطلوب هو عدم الدخول في وسائل تناقض التوحيد، وتفتح باب الشرك للعبيد.
ومن هنا فإن المشروعية تنزع عن التدرج إذا كان الحكم لغير الله وإذا كان
فاعله يقر المنكر ويرضاه.
خامسا: أن
التدرج الشرعي هو غير التدرج الذي يدعو إليه المسايرون لفكرة
الديموقراطية؛ فالتدرج الشرعي يعني البدء بالأهم فالمهم، بمعنى البدء
بالأصول قبل الفروع، والكليَّات قبل الجزئيات، والإصلاح الديني قبل الإصلاح
الدنيوي، وتصحيح المعتقد قبل تصحيح العمل.
ومن أهم الأصول العقدية التي ينبغي أن
يتربى عليها الناس قبل كل شيء: أن الحكم لله وحده. والدخول في الديمقراطية
قفزٌ على هذا الأصل العظيم، وبناء الدعوة على أساس عقدي غير سليم.
ويشرح الباحثون الشرعيون ذلك على النحو التالي:1- "أنه في قوله تعالى: ﴿
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ [محمد: 19] يعني: اعلم أركانها وشروطها، اعلم أضدادها ونواقضها، اعلم
كيفية تحقيقها وتطبيقها، فلا نجاة للمسلم إلا بإدراك حقيقة هذه الكلمة
وتحقيقها عمليًّا. وهذا هو ما يوجب على الدعاة أن يبدؤوا بها؛ لأنها
اللَّبِنة الأساس في صرح الإسلام، وهي الخطوة الأولى في طريق التصحيح... ".
2- "كان من سنة النبي صلي الله عليه وسلم في الدعوة أن يبدأ بالتوحيد وترسيخه وتثبيته، ثم ينصرف إلى غيره وكان يوصي رسله بذلك.
عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: ((إنك تقدم على قومٍ
أهل كتاب، فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله عز وجل، فإذا عرفوا الله
فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم
أن الله قد فرض عليهم زكاةً تُؤخذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقرائهم، فإذا
أطاعوا بها فخُذْ منهم وتَوَقَّ كرائمَ أموالهم))؛ رواه مسلم.
• فقوله صلي الله عليه وسلم: ((فليكن أوَّل ما تدعوهم إليه عبادة الله عز
وجل)) دالٌّ على وجوب البدء بالتوحيد قبل غيره من أركان الإسلام، ثم
الفرائض والسنن والآداب.
• وقوله
صلي الله عليه وسلم: ((فإذَا عرفُوا اللَّهَ)) دالٌّ على وجوب البدء
بتعليم التوحيد حتى يعرفه الناس ويخضعوا له، ثم يُنتَقَل إلى غيره، ولا
يكفي مجرد خضوع الناس له ليُنْتَقَل إلى غيره.
• وقوله
صلي الله عليه وسلم: ((فإن هم أطاعوا لك بذلك)) دالٌّ على التدرجُّ على
هذا النحو، والبدء بالأهم فالأهم، وألا يُنتَقَل إلى ركنٍ حتى يُفرغ من
الذي قبله، ويخضع له الناس ويعلموه.
هذا هو التدرُّج الذي مارسه النبي صلي
الله عليه وسلم وأمر به، وهو الذي ينبغي أن يمارسه الدعاة إلى الله،
فيبدؤوا بلا إله إلا الله، ويتعلموها ويُعلّموها.
سادسا: يقول المفكرون الإسلاميون:
قبل التفكير في إقامة نظام مجتمع إسلامي،
وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام.. ينبغي أن يتجه الاهتمام أولا إلى
تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله - في أي صورة من صورها التي
أسلفنا - وأن يتجمع الأفراد الذين تخلص ضمائرهم من العبودية لغير الله في
جماعة مسلمة.. وهذه الجماعة التي خلصت ضمائر أفرادها من العبودية لغير
الله، اعتقادا وعبادة وشريعة، هي التي ينشأ منها المجتمع المسلم، وينضم
إليها من يريد أن يعيش في هذا المجتمع بعقيدته وعبادته وشريعته التي تتمثل
فيها العبودية لله وحده.
سابعا: استنادا إلى ما سبق لا يجوز لمن يؤمنون بمسايرة الديموقراطية:
1- الدخول في لعبة الديمقراطية بحجة التدرج.
2- تعطيل شرع الله بحجة التدرج.
3- التصويت على الدساتير الوضعية المخالفة لشرع الله بحجة التدرج.
4- الرضا بتحكيم الشعب والخضوع لإرادته بحجة التدرج.
خلاصة الأمر كله: أنه يجب أن يكون البدء بالتوحيد وتعليمه للناس، وتصحيح ما لديهم من أخطاء
عقدية خطيرة، ومحاربة مظاهر الشرك كلها، وزرع العقيدة الصافية النقية من
شوائب الشرك والبدع في قلوب المسلمين، فلا فساد أعظم من فساد العقيدة، ولا
مرض أخطر من مرضها، فينبغي أن نبدأ بها قبل غيرها.
المصادر:• انظر: تهافت الديموقراطيين، منبر التوحيد،
www.tawhed.ws.
• انظر
كذلك بموقع بوابتى تونس، وشبكة الألوكة: (أحمد إبراهيم خضر، مناقشة
العلاقة بين الديموقراطية والإسلام جدل سفسطائي أم قربى إلى الله - نقض
فكرة الدخول في اللعبة الديموقراطية بدعوى المصلحة - فساد شعار مرجعيتنا
إسلامية وخيارنا ديموقراطي - فساد الاعتقاد بلزوم ارتباط الحرية
بالديموقراطية وموقف الإسلام من الحريات - لماذا الإصرار على تطويع العالم
الإسلامي للديموقراطية الغربية؟ قراءة في دور المؤسسات الأمريكية في دعم
وتمويل حركتي 6 أبريل وكفاية والمعارضة المصرية - قراءة في الخطة الأمريكية
لزرع الديموقراطية في العالمين العربي والإسلامي).