الرئيسيةاليوميةبحـثس .و .جالمجموعاتالأعضاءالتسجيلدخول

من فقه الدعاء يقول سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "أنا لا أحمل همَّ الإجابة، وإنما أحمل همَّّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء كانت الإجابة معه". وهذا فهم عميق أصيل ، فليس كل دعاء مجابًا، فمن الناس من يدعو على الآخرين طالبًا إنزال الأذى بهم ؛ لأنهم ينافسونه في تجارة ، أو لأن رزقهم أوسع منه ، وكل دعاء من هذا القبيل ، مردود على صاحبه لأنه باطل وعدوان على الآخرين. والدعاء مخ العبادة ، وقمة الإيمان ، وسرّ المناجاة بين العبد وربه ، والدعاء سهم من سهام الله ، ودعاء السحر سهام القدر، فإذا انطلق من قلوب ناظرة إلى ربها ، راغبة فيما عنده ، لم يكن لها دون عرش الله مكان. جلس عمر بن الخطاب يومًا على كومة من الرمل ، بعد أن أجهده السعي والطواف على الرعية ، والنظر في مصالح المسلمين ، ثم اتجه إلى الله وقال: "اللهم قد كبرت سني ، ووهنت قوتي ، وفشت رعيتي ، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفتون ، واكتب لي الشهادة في سبيلك ، والموت في بلد رسولك". انظر إلى هذا الدعاء ، أي طلب من الدنيا طلبه عمر، وأي شهوة من شهوات الدنيا في هذا الدعاء ، إنها الهمم العالية ، والنفوس الكبيرة ، لا تتعلق أبدًا بشيء من عرض هذه الحياة ، وصعد هذا الدعاء من قلب رجل يسوس الشرق والغرب ، ويخطب وده الجميع ، حتى قال فيه القائل: يا من رأى عمرًا تكسوه بردته ** والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقًا ** من بأسه وملوك الروم تخشاه ماذا يرجو عمر من الله في دعائه ؟ إنه يشكو إليه ضعف قوته ، وثقل الواجبات والأعباء ، ويدعو ربه أن يحفظه من الفتن ، والتقصير في حق الأمة ، ثم يتطلع إلى منزلة الشهادة في سبيله ، والموت في بلد رسوله ، فما أجمل هذه الغاية ، وما أعظم هذه العاطفة التي تمتلئ حبًا وحنينًا إلى رسول الله - صل الله عليهلم -: (أن يكون مثواه بجواره). يقول معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: "يا بن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا ، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج ، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة ، مرّ بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظامًا ، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا ، فائت نصيبك من الآخرة ، وأنت من الدنيا على خطر). وروى الترمذي بسنده عن النبي - صل الله عليهلم -: أنه قال: ((من أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله له شمله ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن أصبح والدنيا أكبر همه فرَّق الله عليه ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له)). وأخيرًا .. أرأيت كيف أُلهم عمر الدعاء وكانت الإجابة معه ، وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (186)" (البقرة:186).


إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

  آفة الكذب

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة




نقــاط : 88525



مُساهمةموضوع: آفة الكذب   الأربعاء 24 أبريل 2013 - 14:33

السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاتُه.

أنا
فتاةٌ في التاسِعةَ عشرةَ مِن عُمري، وجدتُ في صِغري بعضَ الاضطراباتِ
النفسيَّة، كنت أخاف كثيرًا وأكْتُم ذلك، وأُظهِر للناس أنَّني قويَّة ولا
أُبالي، وكنتُ أرَى كل ما أقوم به فشلاً، وللأسَف ذلك بسبب ما أسمَعُه من
حولي، ومقارنتي بأَخواتي الأُخريات.




ودَومًا
المقولة الدَّارجة بأنهنَّ أفضلُ منِّي حالاً، حتى عندَما التحقتُ
بالجامعة ودخلت الكليةَ ذاتها التي درستْ فيها أُختي، قال أبي - وكأنَّه
يستهزِئ بي؛ لأنَّه قالها بصورة تُبرِهن على ذلك -: هل أستطيع تحمُّلَها،
فهي تحتاج إلى كذا وكذا وكذا؟!




وحتَّى
إن أشرتُ عليهم بأمرِ خيرٍ، فكل ما ألْقاه هو الاستهزاء، وعدم الثِّقة في
كلامي، أو خِبرتي، أو حتى نَصيحتي... إلخ، وقال أبي يومًا: إنَّه لا رأيَ
لي، وعندما أحصل على درجات الامتياز في الجامعة لا ألْقَى كلمةَ (مبارك)
عكسَ أُختي فقد كان أبي يحتويها بكلِّ كلمات التَّهاني!




عائلتي
أُسْرَة محافِظة، لكن أمِّي غير مُتعلِّمة رغمَ أنَّها أحنُّ عليَّ من
الجميع، وأبي ذو تعليم بسيط؛ لذلك أنا لا ألومُهما بما أنا فيه بعدَ أن
كَبِرتُ عَرَفتُ أنني مسؤولة عن نفْسي في وسط هذه التغيُّرات الكثيرة
الحاصِلة للمجتمع.




لكن
- للأسَف - إخواني وأخواتي هم مَن أوجدوا في عُقدةَ الفَشَل، أو أنَّني
أقلُّ مستوًى من الجميع بضَرْبي في صِغري، حيث كنت أعاني مِن مشكلة مصِّ
أصبع الإبهام، وهي عادة في منذُ ولادتي، وبقيَتْ معي حتى الصَّفِّ الثاني
الابتدائي، وأخَذ إخوتي الكِبار بحَرْق أصبعي وجرْحي؛ كي لا أقوم بهذا
الفِعْل، وناهيكم عن الضَّرْب الذي كنتُ أتلقَّاه منهم، وفي الصف الثالث
أُصبتُ بالوَسْواس القهري مِنَ النظافة لدرجة أني كنتُ أبكي إن جلستْ زميلة
في مكاني إنْ كان هنالك نشاطٌ صفِّي، فأتشكّك في نظافة المكان، وتَطوَّر
الأمر حتى أصبحت لا ألْمَس شيئًا إلاَّ بالمناديل الورقيَّة، وأغسل يدي
كلَّ دقيقه وثانية!




وكنت
أبكي ولا أنام اللَّيْل، ولم أجد مِن إخوتي سِوى الضَّحِك عليَّ مِن هذه
الحالة، فأصبت بعدَها بجفافٍ حادٍّ وفقْر دمٍ شديد، وكنت أخاف مِن الظلام
والأشباح، فعندَما كنتُ أغادر غُرْفتي لغُرفة أمِّي، كانت أُختي الكبيرة
تضحَك عليَّ، وكأنَّني قمتُ بذَنب، فكتمتُ ذلك حتى أصابَتْني حالةٌ نفسيَّة
بحيث كنتُ أُبلِّل فِراشي ليلاً في صِغري، وأستيقظ وأستحمُّ، وأكتُم خوْفي
لدرجة الانهيار من دُخولي للحمَّام، فانعكس ذلك عليَّ سلبًا فكنتُ أكتم
كلَّ ما يُصيبني في داخلي؛ حتى لا يقابلني أحدٌ بالاستهزاء والضَّحِك
والتقليل مِن ذاتي.




وأصبحتُ
منطويةً أكثرَ على نفسي، أتابع أفلامَ الكرتون لدرجة الإدْمان في غرفة
منعزلة، وألْعَب وحدي، ولا أُحبِّذ مخالطةَ الغير؛ لأنني كنتُ دومًا أخاف
إن جلستُ مع أحدهم أسْمَع انتقادًا أو توبيخًا، حتى أصبحتُ عصبيه جدًّا.




والأمر
الصَّعْب في الموضوع أنَّ إخوتي جميعهنَّ كبار، وكان ترتيبي في عائلة بيْن
أربعة صِبية مِن أصْل ستة، ولديَّ من الأخوات سِت، وأخي الكبير دائمًا
يُوبِّخني على تصرُّفاتي، ويُظهرني دومًا مخطئة، فيَضربني ويُسمِعُني
ألفاظًا أستحِي كفتاةٍ من ذِكرها حقيقة.




وفي
الصفِّ الرابع أُصبت بوسواسٍ قهري بأن أفْقد صوتي، حتى عندما بلغتُ كنت في
الصفِّ السابع، أتتْني العادَة وأنا لا أعْلم منها شيئًا سوى مِن صديقات،
وأخْبَرْنني عنها بأسلوبٍ غيرِ عِلمي بتاتًا، وخفتُ قبل أن تحضرَ، وعند
حضورها أُصبتُ بخوف شديد، فكنتُ أُصلِّي وهي عليَّ في أوَّل بداياتي، حتى
علمتْ أُختي بذلك وأخبرتِ الجميع بعدَ أن قالتْ لي: إنني لا تحل لي الصلاة،
حتى بادلَني الجميعُ بالضحِك والاستهزاء على غَبائي - كما وصفوه - لكنَّني
لم أصدقْها فأقْنعتُ نفسي إن صليت سيحبُّني الله أكثر؛ لأنَّني الوحيدةُ
التي أصلِّي وهي عليَّ، حتى أخذْنا التفاصيل في مادة التربية الإسلاميَّة
واقتنعت.




كنتُ
دومًا أنا المخطئة، إدْماني لأفلام الكرتون جعَلَني أتخيَّل نفسي أتعايش
معهم قبل أن أنامَ، كُنتُ دومًا أتخيل نفسي مع شخصياتي المفضَّلة، وأكون
المحبوبة بينهم، كنت أسُدُّ ما يُؤلِمني في حياتي بتلك الخيالات الباطلة،
وبقِيَ هذا الأمر حتى كَبِرتُ، وللأسفِ أحيانًا أجلس في الغُرفة وحْدي،
وأتحدَّث بدون صوت وكأنَّ أحدًا معي بمصداقية وغيرِ مصداقية، لكنَّني -
والحمد لله - محافظة على صَلاتي وواجباتي ككُل، حتى في صِغري كنتُ ألجأ إلى
الله رغمَ أنَّه لم ينصحْني أحدٌ، لكن بحمد الله هَداني الله إلى هذا
رحمةً منه.




وللأسف
في عائلتي يُمجِّدون الصِّبية، فإخواني دومًا يَقعون في أخطاء، فأخِي
الصغير غيرُ محافظ على صلاته، وإخواني الكِبار كانوا يُحادثون الفتياتِ،
وكنتُ أخاف دومًا على نفسي، لكن ما أقوله للناس: إنَّهم صالحون ومهتمون
وهَلمَّ جرًّا، فالإيجابية والسلبية تُمجَّد لهم، لكن إنْ أخطأتُ أصبحتُ
وكأنني شيطانٌ رجيم - والعياذ بالله - فعندَ إيجابيتي لا أجِد مبالاةً، وإن
أخطأتُ - ولو كان خطأً طفيفًا - عُومِلت وكأنَّني مجرِمة!




ذكرتُ
كلَّ ما عانيت منه؛ لأنَّني وجدتُ الأسباب في تحليل مُشكلتي التي هي آفَةُ
الكَذِب تطورتْ حالة إدمان الكرتون، وحالةُ التخيُّل إلى آفة الكَذِب،
أحيانًا أصوِّر للناس أنَّني كذا وكذا وكذا، وهو ليس في، لم يضرَّ كذبي
يومًا ولم يُفِد أحدًا، فهو فقط لأطمسَ ما أوردتْه فيَّ مسألة الإحساس
بالفَشَل.




فأقول:
إنَّ أخي قال لي كذا، وأحْضَر لي كذا، ولي قريبٌ كذا، وهو كذِب لا يَصِل
للصِّدق بباع؛ لأنَّني كنت أودُّ أن أطمسَ عقدة أنني الأقل مِن الجميع بتلك
التخيُّلات التي تطوَّرتْ لكذب، كنتُ دومًا لا أظهر الحقائق؛ حتَّى لا
أظهر أقلَّ مستوى مِن غيري، وهذا الأمر لا يَنطبق عليَّ مِن خلال أُسرتي
فكَذِبي يقتصر على هذه الأمور خارجَ نِطاق أُسرتي؛ لأنَّه - للأسف -
أحيانًا يمرُّ يوم كامل لا أُحادث فيه سوى أمِّي؛ لأنَّني لا أحدَ يكترث
لِمَا أقول سواها - حفظَها الله لي مِن كلِّ سوء، هي الحنون.




قرأتُ
منذ مدَّة حديثَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن عِقاب الكذَّاب،
وهلم جرًّا، وآلَمَني كثيرًا؛ لأنَّني أحبُّ الله، وأحاول أن أتقرَّب إليه،
وكلَّما ضقتُ ذرعًا من الذي أنا فيه أتذكَّر أنه معي وأصْبِر، وأقول: إنهم
أهْلي، وأضَع أمامَهم أعذارًا كثيرة، لكن للأسف كَثُرتِ الأعذار،
وتحوَّلتْ لأمور أتلفَّظ بها أمامَ الناس وصَديقاتي، وهي ليستْ في الحقيقة
إلاَّ كذبًا.




كنتُ
أوهم نفْسي إلى أن وصَل الأمْر إلى الكذِب، لا أُريد أن أضَعَ اللَّوْم
على أيِّ شخص، فأنا المسؤولة أمامَ ربِّي، الحمد لله تبتُ إليه وطلبتُ
مغفرتَه، ولا أكتَرِث للماضي، لكن أنا إنسانةٌ موسوسةٌ، أحيانًا أتذكَّر
أنَّ الله غفَر لأحدِ الأنبياء وأرْتاح، لكن ينتابني وسواسٌ وأقول: لا بأسَ
هذا نبيٌّ، أما أنا فمجرَّد إنسانة، فما الذي يُبرهِن على قَبول توبتي
وغُفران ذَنبي، فأتذكر الآية التي ذكَر الله وأمرَنا ألاَّ نقنطَ من رحمته،
فأرتاح نفسيًّا حتى يأتيني وسواس أشدُّ مِن سابقه.




صدِّقوني
صرتُ أكْرَه الاستيقاظَ من النوم، ولأنني أستيقظ وأقول لنفسي: إنَّني لا
أستحقُّ الحياة؛ لأنَّني مجرَّد كاذِبة، وحياتي مجرَّد وهْم، ورغمَ ما فعله
أهْلي بي إلاَّ أنني أحبُّهم، أُقسِم أنَّني أحبُّهم، فأنا لم أكْرَه
أحدًا يومًا، حتى أخي الذي أساء إليَّ في صِغري بكلِّ أنواع الإساءَة،
أطْفاله بالنسبة لي كأنَّهم أبنائي حقيقة، فأنا لا أحْقِد ولا أكْرَه ولم
أضرَّ أحدًا يومًا، ولا أودُّ ذلك، فكما قلت: إنَّني المسؤولة عن نفْسي في
هذه السِّنِّ، ودائمًا أقول: إنني إذا رَزقني الله بذرية وزَوْج صالِح
سأُصحِّح كلَّ السلبيات التي عشتُها في تربيتي، لكن الوسواس الذي أهْلَك
صِحَّتي وحياتي، لا أشكُّ في رحمةِ الله وعفوه وغفرانه، ولا أشكُّ بآياته -
معاذَ الله - لكن هل تَكْفِي توْبَتي من الكذِب، فكما قلتُ - ولله الحمد -
كذِبي لم يضرَّ أحدًا أو يُفد أحدًا، الإنسانة الوحيدة التي ظلمتُها هي
"نفسي"، وهل يجب أن أُخْبِرَ الناس أنَّي في ذلك الأمر كذبتُ، أم يَكفي
أنَّني استغفرتُ لذنبي، وستَرَه الله علي، وعاهدتُ ربي ألاَّ أعودَ لذلك –
والحمد لله أنا نادِمه أشدَّ الندم؟




لكنَّني
أُعاني من الوَسْواس صدِّقوني الدنيا أصبحتْ لا تُساوي عندي شيئًا،
والماضي كذلك؛ إلاَّ أنَّني أودُّ أن يرضَى الله عني وهو العليم بذلك،
وأودُّ أن أفتحَ صفحةً صادقة جديدة، فأنا الآن كَبِرتُ والمسؤولة عن نفْسي،
وأودُّ أن أبدأَ سِنِّي العِشرين براحة وطمأنينة، وصِدْق ورِضًا مِن الله
تَعالى.




أفيدوني، أفادَكم الله؛ لأنَّني أكتب رِسالتي والدُّموعُ تُشارِك حُروفي.



وعُذرًا على الإطالة.


الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

سأبدأ من حيث انتهيتِ:

هل تَكْفِي توْبَتي من الكذِب؟
وهل يجب أن أُخْبِرَ الناسَ أنَّي في ذلك الأمر كذبتُ، أم يَكفي أنَّني
استغفرتُ لذَنبي، وستَرَه الله علي؟



على الرَّغمِ مِن أنَّ الكَذِبَ
هو من أقْبحِ الذُّنوب، وأبغَضها إلى نبيِّ الأخلاقِ محمَّد الصادِق
الأمين - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما روتْ عائشة - رضي الله عنها -: "ما
كان مِن خُلُقٍ أبغضَ إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - من
الكَذِب، ولقدْ كان الرجلُ يَكذِب عنده الكذبةَ، فما يزال في نفسِه حتى
يعلمَ أنَّه قد أحْدَث فيها توبة"؛ رواه أحمد والبزَّار وابن حبَّان في "صحيحه"، ورواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.



ولأنَّ المؤمِن وإن جَبُن أو
بَخِل إلاَّ أنَّه لا يكذب قط؛ فعن صفوان بن سليم أنَّه قال: قيل لرسولِ
الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أيكون المؤمِن جبانًا؟ فقال: ((نعم))،
فقيل له: أيكون المؤمِنُ بخيلاً؟ فقال: ((نعم))، فقيل له: أيكون المؤمِن
كذَّابًا؟ فقال: ((لا))؛ رواه الإمام مالك في الموطأ.



إلا أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - توَّاب على مَن تاب، رحيم بمَن اهتدَى، يقول عن نفسِه في مُحكَم كتابه: ﴿ أَلَمْ
يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ
وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
﴾ [التوبة: 104].



فباب التَّوْبة مفتوحٌ لمَن
أراد الولوج، والذُّنوب برحمةِ الله – تعالى - تسقط بالتوبةِ والاستغفار،
والتائِب مِن الذنب كمَن لا ذنبَ له، بنِعمتِه تعالى، فأرجو الله التوَّابَ
الرحيم أن تكوني صادِقةً في توبتك مِن هذا الخُلُق الشنيع، وأن تَكوني مِن
الآن وصاعدًا مع مَنِ اتَّقى، وكان مِن الصادقين ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119].



سائلةً المولَى العليَّ القدير
أن يتوبَ عليكِ، ويجزيكِ على ترْكك الكذبَ على الناس بيتًا في وسطِ
الجَنَّة، كما وعَد بذلك الصادقُ الأمين محمَّد - عليه أفضلُ الصلاة وأتمُّ
التسليم - في حديثِ أَبي أُمَامَة - رضي الله عنه - حين قال: قال رسولُ
الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أنا زعيمٌ ببيْت في رَبَضِ الجنَّة
لمَن ترَك المِراءَ وإنْ كان محقًّا، وببَيْت في وسط الجنَّة لمَن ترَك
الكذب وإنْ كان مازحًا، وببيْت في أعْلى الجنة لمَن حسن خُلُقه))؛ رواه أبو
داود بإسناد حسن.



وأن يَسترَ عليكِ فوْق الأرْض،
وتحتَ الأرْض، ويومَ العَرْض، عن كل عيْب وذنب، ولا داعي بعدَ التوبة
لإخبارِ أحد بأكاذيبكِ عليه ما دامتْ أنها لم تُلحِقْ به الضرر - كما
تقولين.



سأثِق بكلامك ولن أُكذِّبك، والله حسيبُك، غفَر الله لي ولكِ ولجميعِ المسلمين والمسلمات، إنَّه هو الغفور التوَّاب الرحيم.



بالنسبة لموضوع الوسواس القهري، فهو كما ترَيْن مِن اسمه مجرَّد وسواسٍ من الشيطان؛ ليحزنك ويُخيفك ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
﴾ [آل عمران: 175] وكما نقول دائمًا وأبدًا: لا بدَّ مِن الاستعاذة من
وساوس الشيطان ونَزَغاته كما أمَر بذلك الله - سبحانه وتعالى - حين قال: ﴿ وَإِمَّا
يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ
سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ
الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ
﴾ [الأعراف: 200 - 201]، هذا أولاً.



ثانيًا:
بعدَ الاستعاذة مِنَ الشيطان الرَّجيم، عليكِ بالتَّسبيح والاستِغفار؛ لكي
تصْرِفي الأفكار الوسواسيَّة بإحلال أفكار إيجابيَّة تُقرِّبك من الله
بدلاً من أن تُبعدَك عنه من جِهة، ومِن جِهة أخْرَى؛ لتمحي بهذا التسبيحِ
والاستغفار تلك الخطايا والذُّنوب، فقد ورَد في الحديث القُدسي: ((قال الله
- تبارك وتعالى -: يا ابنَ آدمَ، إنَّك ما دَعَوْتني ورجوتني غفرتُ لك على
ما كان فيكَ ولا أُبالي، يا ابنَ آدم، لو بلغتْ ذنوبُك عَنانَ السَّماء،
ثم استغفرتَني غفرتُ لك ولا أُبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيْتَني بقُرابِ
الأرض خطايا ثم لقِيتني لا تُشرِك بي شيئًا لأتيتُك بقُرابِها مغفرة))؛
رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب.



مِن ذلك أنْ تقولي مثلاً:
"سبحان الله وبحْمدِه، مائةَ مرَّة"؛ فعَن أبي هريرة - رضي الله عنه -:
أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن قال: سبحانَ اللهِ
وبحَمْده، في يومٍ مائةَ مرَّة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانتْ مِثلَ زبَد
البَحْر))؛ رواه البخاري.



أو "سبحانَ الله العظيم، سبحانَ
الله وبحَمْده"؛ فعن أبي هُريرَةَ، عنِ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -
قال: ((كَلِمتانِ خفيفتانِ على اللِّسَان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتانِ
إلى الرَّحْمن: سبحانَ الله العظيم، سبحانَ الله وبحَمْده))؛ رواه البخاري.



وكذلك "لا حولَ ولا قُوَّة
إلاَّ بالله"؛ فعن أبي موسى الأشعري، قال: أخَذَ النبيُّ - صلَّى الله عليه
وسلَّم - في عَقَبة، أو قال: في ثَنيَّة، قال: فلمَّا علاَ عليها رجلٌ
نادَى فرفَع صوته: لا إله إلا الله، والله أكبر، قال: ورسولُ الله - صلَّى
الله عليه وسلَّم - على بغْلتِه، قال: ((فإنَّكم لا تدْعُون أصمَّ ولا
غائبًا))، ثم قال: ((يا أبا موسى، أو: يا عبدَالله، ألاَ أدلُّك على كلمةٍ
مِن كنْز الجنة))؟ قلت: بلَى، قال: ((لا حولَ ولا قُوَّة إلاَّ بالله))؛
رواه البخاري.



ثالثًا:
تذكَّري خلالَ هذا الوقت أنَّ كلَّ ابن آدم خطَّاء، وقد قال رسولُ الله -
صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((والذي نفْسي بِيَده، لو لم تُذْنِبوا لذَهَب
الله بِكم، ولجاءَ بقوْمٍ يُذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم))؛ رواه
مسلم.



فالله لم يخلقْنا ملائكةً مِن
نور كي لا نُخطئ، ولكن خلقَنا بشَرًا من طِين، نُذنِب ونتوب، وقد أخطأ
أبونا آدم - عليه السلام - مِن قبل ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: 121]، وهو خيرٌ منِّي ومنكِ؛ لأنَّ هذا طبعُ الآدميِّ.



وفَوْق هذا وذاك نحن لسْنا أنبياء معصومين مِنَ الخطايا، فلا يخدعنَّك الشيطانُ بغير ذلك، وينسيك أنَّكِ بشَر.



رابعًا:
تذكَّري دائمًا وأبدًا أنَّ الله توَّاب رحيم، يفْرَح بتوبةِ عبْدِه إذا
تاب وأناب، فعن أبي هريرة، عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه
قال: ((قال الله - عزَّ وجلَّ -: أنا عندَ ظنِّ عبدي بي، وأنا معَه حيث
ذَكَرني، واللهِ، للهُ أفْرحُ بتوبة عبدِه من أحدكم يَجِد ضالتَه بالفلاة،
ومَن تقرَّب إليَّ شبرًا، تقرَّبتُ إليه ذِراعًا، ومَن تقرَّب إليَّ
ذراعًا، تقربتُ إليه باعًا، وإذا أقبل إليَّ يمشي، أقبلتُ إليه أُهَرول))؛
رواه مسلم.



فلا تظنِّي بربِّك ظنَّ سَوْء، حاشاه جلَّ في عليائه أن يأمُرَنا بالتوبة ويَعِدنا بالمغفرة، ثم يُخلفنا الميعاد؛ ﴿ لَكِنِ
الَّذِينَ اتَّقَوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ
مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا
يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ
﴾ [الزمر: 20].



فهلْ يُعقَل أن تُصدِّقي وساوسَ الشيطان وهو كَذوب؟! وتَشُكِّين في وعْد الله وقوْلِ نبيِّه الصادِق الأمين؟!



أسأل الله العظيمَ ربَّ العرش العظيم أنْ يَشفيكِ من وساوسِكِ شفاءً تامًّا لا يُغادر سقمًا، اللهمَّ آمين.



أختي العزيزة:

لمْ تُخبريني هل زالتِ المشكلات
النفسيَّة التي أُصبتِ بها في طفولتِك مثل: مص الأصابع، والتبوُّل
اللاإرادي، والخوْف منَ الظلام، وسواس النظافَة؟



أعتقد أنَّه من الضرورةِ بمكان
أن تُراجعي اختصاصية نفسيَّة؛ لأنَّكِ تُعانين مِن مشكلات مركَّبة، فإنْ
كنت ترغبين في الحفاظ على صِحَّتكِ النفسية والعقلية، فلا تتردِّي في
الذَّهابِ إلى أقربِ عيادة نفسية لتشخيصِ حالتك بدقَّة، ومَنْحك الدواءَ
المناسب إن تطلَّب الأمر.



أمَّا عن علاقتك بأهلك، فقدْ أحسنتِ صنعًا حين غفرتِ لهم وسامحتِ كلَّ مَن أساء إليك، فقد قال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى:40].



وليكن لكِ في الكريم ابنِ
الكريم يُوسُف - عليه السلام - قدوةٌ حَسَنة، حين عفَا عن إخوته الذين
تسبَّبوا في إبعادِه عن أبيه وأخيه، وبيْته ووطنه، حتى قضَى حياتَه مغتربًا
ومستوحشًا، ومع ذلك عفا عنهم، واستغفرَ لهم الله: ﴿ قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف:92].



وكما غَفرتِ لأهلك قسوتَهم عليكِ، اغفري لي تأخُّرِي في الردِّ عليكِ، أرجوكِ.



دُمتِ بألْف خير، ولا تنسيني مِن صالِح دعائك في هذا الشَّهر المبارَك، وكلَّ وعام وأنتِ ومَن تُحبِّين بألْف خير.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
آفة الكذب
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اسلام ويب :: ۩✖ المكتبه الاسلاميه والفتاوي الشرعيه ۩✖ :: فتــــاوي واسئله :: الفتـــاوي الحيـــه-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: