الرئيسيةاليوميةبحـثس .و .جالمجموعاتالأعضاءالتسجيلدخول

من فقه الدعاء يقول سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "أنا لا أحمل همَّ الإجابة، وإنما أحمل همَّّ الدعاء، فإذا أُلهمت الدعاء كانت الإجابة معه". وهذا فهم عميق أصيل ، فليس كل دعاء مجابًا، فمن الناس من يدعو على الآخرين طالبًا إنزال الأذى بهم ؛ لأنهم ينافسونه في تجارة ، أو لأن رزقهم أوسع منه ، وكل دعاء من هذا القبيل ، مردود على صاحبه لأنه باطل وعدوان على الآخرين. والدعاء مخ العبادة ، وقمة الإيمان ، وسرّ المناجاة بين العبد وربه ، والدعاء سهم من سهام الله ، ودعاء السحر سهام القدر، فإذا انطلق من قلوب ناظرة إلى ربها ، راغبة فيما عنده ، لم يكن لها دون عرش الله مكان. جلس عمر بن الخطاب يومًا على كومة من الرمل ، بعد أن أجهده السعي والطواف على الرعية ، والنظر في مصالح المسلمين ، ثم اتجه إلى الله وقال: "اللهم قد كبرت سني ، ووهنت قوتي ، وفشت رعيتي ، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفتون ، واكتب لي الشهادة في سبيلك ، والموت في بلد رسولك". انظر إلى هذا الدعاء ، أي طلب من الدنيا طلبه عمر، وأي شهوة من شهوات الدنيا في هذا الدعاء ، إنها الهمم العالية ، والنفوس الكبيرة ، لا تتعلق أبدًا بشيء من عرض هذه الحياة ، وصعد هذا الدعاء من قلب رجل يسوس الشرق والغرب ، ويخطب وده الجميع ، حتى قال فيه القائل: يا من رأى عمرًا تكسوه بردته ** والزيت أدم له والكوخ مأواه يهتز كسرى على كرسيه فرقًا ** من بأسه وملوك الروم تخشاه ماذا يرجو عمر من الله في دعائه ؟ إنه يشكو إليه ضعف قوته ، وثقل الواجبات والأعباء ، ويدعو ربه أن يحفظه من الفتن ، والتقصير في حق الأمة ، ثم يتطلع إلى منزلة الشهادة في سبيله ، والموت في بلد رسوله ، فما أجمل هذه الغاية ، وما أعظم هذه العاطفة التي تمتلئ حبًا وحنينًا إلى رسول الله - صل الله عليهلم -: (أن يكون مثواه بجواره). يقول معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: "يا بن آدم أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا ، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج ، فإن بدأت بنصيبك من الآخرة ، مرّ بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظامًا ، وإن بدأت بنصيبك من الدنيا ، فائت نصيبك من الآخرة ، وأنت من الدنيا على خطر). وروى الترمذي بسنده عن النبي - صل الله عليهلم -: أنه قال: ((من أصبح والآخرة أكبر همه جمع الله له شمله ، وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن أصبح والدنيا أكبر همه فرَّق الله عليه ضيعته ، وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له)). وأخيرًا .. أرأيت كيف أُلهم عمر الدعاء وكانت الإجابة معه ، وصدق الله العظيم إذ يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (186)" (البقرة:186).


إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 فتاوي مهمه في الصلاه

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة




نقــاط : 88995



مُساهمةموضوع: فتاوي مهمه في الصلاه   الجمعة 15 أبريل 2011 - 8:17

[center]... فأجاب حفظه الله بقوله : هذه المسألة محل خلاف ، والصواب أنه يسقط والدليل عموم قوله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (2) .

( ... ( (

157) ... وسئل : عن حكم من نام عن صلاة العشاء ثم قام لصلاة الفجر وصلاها ولكن تذكر صلاة العشاء وهو يصلي الفجر ؟ هل يكمل صلاة الفجر أم ماذا يفعل ؟
... فأجاب فضيلة الشيخ بقوله : نعم ، يكمل صلاة الفجر ثم يصلي صلاة العشاء.
( ... ( (

158) ... سئل فضيلة الشيخ : عن شخص دخل المسجد لصلاة العشاء ثم تذكر أنه لم يصل المغرب فماذا يعمل ؟
... فأجاب بقوله : إذا دخلت المسجد وصلاة العشاء مقامة ثم تذكرت أنك لم تصل المغرب فتدخل مع الجماعة بنية صلاة المغرب ، وإذا قام الإمام إلى الركعة الرابعة ، فتجلس أنت في الثالثة وتنتظر الإمام ثم تسلم معه ، ولك أن تسلم ثم تدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء ، ولا يضر اختلاف النية بين الإمام والمأموم على الصحيح من أقوال أهل العلم ، وإن صليت المغرب وحدك ثم صليت مع الجماعة فيما أدركت من صلاة العشاء فلا بأس .
( ... ( (

159) ... سئل فضيلة الشيخ : كيف تقضي الفوائت ؟
فأجاب قائلاً : الفوائت من الفرائض تقضى بكل حال في الوقت الذي يزول فيه العذر ولابد من الترتيب،وكذلك صلاة النوافل المؤقتة بوقت كالوتر والرواتب .
... وأما النوافل المطلقة فلا تقضى لأنه لا وقت لها ، وإنما يصلي نفلاً متى شاء في غير وقت النهي ، وأما النوافل ذوات الأسباب فإنه إذا فاتت أسبابها لا تقضى لأنها مربوطة بسببها فإذا تأخرت عنه لم تكن فعلت من أجله فلا تقضى .
( ... ( (
__________
(1) سورة البقرة ، الآية : 286 .
(2) أخرجه بن ماجه : كتاب الطلاق / باب طلاق المكره والناسي .

(12/184)


------------------------
160) ... وسئل فضيلته عن مريض أجرى عملية جراحية ففاتته عدة فروض من الصلوات ، فهل يصليها مجتمعة بعد شفائه ؟ أم يصليها كل وقت مع وقته كالظهر مع الظهر وهكذا ؟
فأجاب بقوله : عليه أن يصليها جميعاً في آن واحد ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة العصر في غزوة الخندق صلاها قبل المغرب (1) وعلى الإنسان إذا فاتته بعض فروض الصلاة أن يصليها جميعاً ولا يؤخرها .
( ... ( (
161 وسئل : عن جماعة فاتتهم صلاة العصر نسياناً ولم يتذكروا إلا عند سماع أذان المغرب فصلوا المغرب ثم العصر ؟
فأجاب فضيلته بقوله : إذا نسي الإنسان صلاة أو نام عنها وليس عنده من يوقظه أو يذكره حتى خرج وقتها ، فإنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يصليها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك )) (2) .
... وفي هذه الحالة التي وقعت للسائل فإنه ينبغي عليه أن يبدأ أولاً بصلاة العصر ثم المغرب حتى يكون الترتيب على حسب ما فرض الله عز وجل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته الصلوات في أحد الأيام في غزوة الخندق قضاها مرتبة . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) (3) . وبناء على هذا فلو أنكم حينما جئتم إلى المسجد وهم يصلون المغرب دخلتم معهم بنية العصر ، ثم إذا سلم الإمام من صلاة المغرب تأتون ببقية صلاة العصر فتكون الصلاة مغرباً للجماعة ، وتكون لكم عصراً ، وهذا لا يضر – أعني اختلاف نية الإمام والمأموم – لأن الأفعال واحدة ، والذي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاختلاف في على الإمام وهي الأفعال دون النية . وما وقع منكم على سبيل الجهل،حيث قدمتم المغرب على العصرفإنه لا حرج عليكم في ذلك

( ... ( (

162 ) وسئل فضيلته : إذا فاتت الإنسان الصلاة لعذر فهل يجوز تأخيرها بعد زوال العذر ؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص21 .
(2) تقدم تخريجه ص 16 .
(3) تقدم تخريجه ص 153 .

(12/185)


-------------------------

فأجاب قائلاً : لا يجوز لك أن تؤخر الصلاة عن وقتها إذا زال العذر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( فليصلها إذا ذكرها )) (1) . فجعل وقت قضائها وقت الذكر ، فإن أخرت فأنت آثم .
( ... ( (

163 ) سئل فضيلة الشيخ : إذا فاتني فرض أو أكثر لنوم أو نسيان ، فكيف أقضي الصلاة الفائتة ؟ وهل أصليها أولاً ثم الصلاة الحاضرة أم العكس .
فأجاب بقوله : تصلها أولاً ، ثم تصل الصلاة الحاضرة ، ولا يجوز لك التأخير ، وقد شاع عند الناس أن الإنسان إذا فاته فرض فإنه يقضيه مع الفرض الموافق له من اليوم الثاني ، فمثلاً لو أنه لم يصل الفجر يوماً فإنه لا يصليه إلا مع الفجر في اليوم الثاني ، وهذا غلط ، وهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم القولي والفعلي، أما القولي : فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )) (2) . ولم يقل : فليصلها من اليوم الثاني إذا جاء وقتها ، بل قال : (( فليصلها إذا ذكرها )) .
وأما الفعلي : فحين فاتته الصلوات في يوم من أيام الخندق صلها قبل الصلاة الحاضرة ، فدل هذا على أن الإنسان يصلي الفائتة ثم يصلي الحاضرة ، لكن لو نسي فقدم الحاضرة على الفائتة،أو كان جاهلاً لا يعلم فإن صلاته صحيحة ، لأن هذا عذر له .وبهذه المناسبة أود أن أقول : إن الصلوات بالنسبة للقضاء على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : يقضي متى زال العذر ، أي عذر التأخير وهي الصلوات الخمس ، فإنه متى زال العذر بالتأخير وجب قضاؤها .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 16 .
(2) تقدم تخريجه ص 16 .

(12/186)


---------------------------
القسم الثاني : إذا فات لا يقضى وإنما يقضى بدله ، وهو صلاة الجمعة ، إذا جاء بعد رفع الإمام من الركعة الثانية فإنه في هذه الحال يصلي ظهراً ، فيدخل مع الإمام بنية الظهر ، وكذلك من جاء بعد تسليم الإمام فإنه يصلي ظهراً ، وأما من أدرك الركوع من الركعة الثانية فإنه يصلي جمعة ، أي يصلي ركعة بعدها إذا سلم الإمام ، وهذه يجهلها كثير من الناس ، فإن بعض الناس يأتي يوم الجمعة والإمام قد رفع من الركعة الثانية ، ثم يصلي ركعتين على أنها جمعة وهذا خطأ ، بل إذا جاء بعد رفعه من الركعة الثانية فإنه لم يدرك من الجمعة شيئاً فعليه أن يصلي ظهراً ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )) (1) . ومفهومه أن من أدرك أقل فإنه لم يدرك الصلاة ، والجمعة تقضى ظهراً ، ولهذا يجب على النساء في البيوت وعلى المرضى الذين لا يأتون الجمعة ، يجب عليهم أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة ، فإن صلوا جمعة في هذه الحال فإن صلاتهم باطلة ومردودة.
القسم الثالث :صلاة إذا فاتت لا تقضى إلا في نظير وقتها وهي صلاة العيد إذا لم يعلم بها إلا بعد زوال الشمس،فإن أهل العلم يقولون : يصلونها من اليوم التالي من نظير وقتها .
إذن فالقضاء على ثلاثة أقسام :
الأول : ما يقضى من حين زوال العذر ، وهي الصلوات الخمس .كذلك الوتر ، وشبهه من السنن المؤقتة .
الثاني : ما يقضى بدله وهي صلاة الجمعة فإذا فاتت تقضى ظهراً .
الثالث : ما يقضى هو نفسه ولكن في نظير وقته من اليوم التالي ، وهو صلاة العيد إذا فاتت بالزوال فإنها تصلى في نظير وقتها من اليوم التالي . والله الموفق .

( ... ( (

164 ) وسئل فضيلته : عن رجل فاتته صلاة الفجر لعذر شرعي ونسى أن يصليها وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تذكر ، فماذا يفعل ؟ وهل صلاته للظهر والعصر والمغرب والعشاء صحيحة ؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 147 .

(12/187)


------------------------------------

فأجاب بقوله : إذا فاتت الإنسان صلاة الصبح لعذر شرعي ونسى أن يصليها ، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم ذكر أنه لم يصل صلاة الفجر ، فإنه يؤدي صلاة الصبح ولا حرج عليه ، وصلاته للظهر والعصر والمغرب والعشاء صحيحة ، لأنه ترك الترتيب ناسياً ، والإنسان إذا ترك الترتيب ناسياً فصلاته صحيحة .
( ... ( (
165 ) سئل فضيلة الشيخ:أعلى الله درجته – عمن نسي صلاة أو نام عنها ولم يذكر أو يستيقظ إلا بعد صلاة الفجر أو بعد العصر فهل يقضيها في هذين الوقتين؟
الجواب : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، فإذا نام الإنسان عن الفريضة أو صلى محدثاً ناسياً أو جاهلاً ثم ذكر ذلك بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر فإنه يقضيها لعموم الحديث الآنف الذكر .
أما إذا تركها متعمداً حتى خرج وقتها فإن القول الراجح أنها لا تقضي لأن ذلك لا يفيد .
وليعلم أن العلماء اختلفوا فيما إذا وجد سبب صلاة النافلة في وقت النهي هل يجوز فعلها أم لا ؟ والصحيح أنه يجوز فعل ذوات الأسباب في الأسباب في أوقات النهي ، فإذا دخلت المسجد بعد صلاة الفجر فصل ركعتين ، وإذا دخلت المسجد بعد صلاة العصر فصل ركعتين ، وهكذا كل نفل وجد سببه في أوقات النهي فإنه يفعل و لا نهي عنه ، هذا هو القول الراجح من ؟ أقوال أهل العلم ، ويكون النهي عن الصلاة في أوقات النهي مخصوصاً بالنوافل المطلقة التي ليس لها سبب،ووجه ترجيح هذا القول أن صلاة ذوات الأسباب جاءت عامة مقيدة بأسبابها فمتي وجد السبب مخصصة لعموم النهي،كما أن في بعض أحاديث النهي ما يدل على أن ذوات الأسباب لا تدخل فيه حيث جاء في بعض ألفاظه : " لا تتحروا الصلاة " (1) . وهذا يدل على أن ما فعل لسبب فلا بأس به لأن ذلك ليس تحرياً للصلاة في هذه الأوقات .
* * *
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس .

(12/188)


--------------------------

166) ... سئل الشيخ حفظه الله تعالى : هناك جماعة من الناس عندهم عادة في رمضان وهي صلاتهم الفروض الخمسة بعد صلاة آخر جمعة ويقولون إنهاء قضاء عن أي فرض من هذه الفروض لم يصله الإنسان أو نسيه في رمضان فما حكم هذه الصلاة ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب فضيلته بقوله : الحكم في هذه الصلاة أنها من البدع ، وليس لها أصل في الشريعة الإسلامية ، وهي لا تزيد الإنسان من ربه إلا بعداً ، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : " كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " (1) . فالبدع وإن استحسنها مبتدعوها ورأوها حسنة في نفوسهم فإنها سيئة عند الله عز وجل لأن نبيه صلي الله عليه وسلم يقول : " كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " . وهذه الصلوات الخمس التي يقضيها الإنسان في آخر جمعة من رمضان لا أصل لها في الشرع ، ثم إننا نقول هل لم يخل هذا الإنسان إلا في خمس صلوات فقط ربما أنه أخل في عدة أيام لا في عدة صلوات ، والنهم أن الإنسان ما علم أنه مخل فيه فعليه قضاءه متي علم ذلك لقوله صلي الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (2) . وأما أن الإنسان يفعل هذه الصلوات الخمس احتياطاً – كما يزعمون – فإن هذا منكر و لا يجوز .
* * *
فصل
قال فضيلة لشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير جزاء - :
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي نبينا محمد صلي الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد : فأن الوقت من أهم شروط الصلاة ، لقول الله سبحانه :
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
(2) تقدم تخرجه ص 16

(12/189)


------------------------------

( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (103) (1) . وإذا كانت الصلوات خمساً فأوقاتها خمسة أو ثلاثة ، خمسة لغير أهل الأعذار ، وثلاثة لأهل الأعذار ، الذين يجوز لهم الجمع ، فالظهر والعصر يكون وقتهما وقتاً واحداً إذا جاز الجمع ، والمغرب والعشاء يكون وقتهما وقتاً واحداً إذا جاز الجمع .
والفجر وقت واحد ولهذا فصلها الله عز وجل : )أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) (2) ولم يقل لدلوك الشمس إلي طلوع الشمس ، بل قال إلي (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) وغسق الليل يكون عند منتصفه ، لأن أشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل ، لأن منتصف الليل هو أبعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف .
ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي :
أولاً : الفجر من طلوع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق إلي أن تطلع الشمس .
وهنا أنبه فأقول إن التقويم – تقويم أم القرى- فيه تقديم خمس دقائق في آذان الفجر على مدار السنة ، فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر صلى قبل الوقت ، وهذا شئ اختبرناه في الحساب الفلكي ، واختبرناه أيضاً في الرؤية .
... فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لأذان الفجر لأنه مقدم وهذه مسألة خطرة جداً ، لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك فريضة ، لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي بالحساب بينها وبين هذا التقويم خمس دقائق .
... وعلى كل حال وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني إلي طلوع الشمس .
ثانياً : الظهر من زوال الشمس إلي أن يصير ظل كل شئ مثله لكن بعد أن تخصم ظل الزوال ، لأن الشمس خصوصاً في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال ، هذا ليس بعبرة بل العبرة أنك تنظر الظل ما دام ينقص فالشمس لم تزل ، فإذا بدأ يزيد أدني زيادة فإن الشمس قد زالت ،
__________
(1) سورة النساء ، الآية : 103
(2) سورة الإسراء ، الآية : 78

(12/190)


-------------------------------
واجعل علامة على ابتداء زيادة الظل فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر
... ثالثاً : وقت العصر إلي أن تصفر الشمس والضرورة إلي غروبها .
... رابعاً : وقت المغرب من غروب الشمس إلي مغيب الشفق الأحمر وهو يختلف أحياناً يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع وأحياناً يكون ساعة واثنان وثلاثون دقيقة .
... خامساً : وقت العشاء من خروج وقت المغرب إلي منتصف الليل ، والمعني : أنك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه ، فالنصف هو منتهى صلاة العشاء .
... ويترتب على هذا فائدة عظيمة :
... لو طهرت المرأة في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة العشاء و لا المغرب لأنها طهرت بعد الوقت .
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : " وقت العشاء إلي نصف
الليل " (1) ، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يدل على أن وقت العشاء يمتد إلي طلوع الفجر أبداً .
... ولهذا كان القول الراجح أن وقت العشاء إلي نصف الليل ، والآية الكريمة تدل على هذا لأنه فصل الفجر عن الأوقات الأربعة : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) أي زوالها ( إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) جمع الله بينها لأنه ليس هناك بينها فاصل أما الفجر فقال Sad وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) )(2)فالفجر لا
تتصل بصلاة لا قبلها ولا بعدها ، لأن بينها وبين الظهر نصف النهار الأول ، وبينها وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 208
(2) سورة الإسراء ، الآية :78 .

(12/191)


--------------------------------
... واعلم أن الصلاة قبل دخول الوقت لا تقبل حتى لو كبر تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة فإنها لا تقبل على أنها فريضة ، لأن الشيء المؤقت بوقت لا يصح قبل وقته ، كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان بيوم واحد فإنه لا يجزئه عن رمضان ، كذلك الصلاة لكن إن كان جاهلاً لا يدري صارت نافلة ووجب عليه إعادتها فريضة .
... أما إذا صلاها بعد الوقت فلا يخلو من حالين :
... الحال الأولى : أن يكون معذوراً بجهل أو نسيان أو نوم فهذا تقبل منه .
... الجهل : مثل أن لا يعرف أن الوقت قد دخل وقد خرج ، فهذا لا شئ عليه ، متي علم فإنه يصلي الصلاة وتقبل منه لأنه معذور .والنسيان : مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم أشغله وألهاه حتى خرج الوقت فإن هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت .
النوم كذلك : فلو أن شخصاً نام على أنه سيقوم عند الآذان ولكن صار نومه ثقيلاً فلم يسمع الأذان و لا المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت فإنه يصلي إذا استيقظ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (1) .
الحال الثانية : أن يؤخر الصلاة عن وقتها عنداً من غير عذر فاتفق العلماء على أنه آثم وعاصي لله ورسوله .
وقال بعض العلماء : أنه يكفر بذلك كفراً مخرجاً عن الملة نسأل الله العافية .
ولكن الصحيح أنه لا يكفر وهذا قول الجمهور ، ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال ، أي بعد أن أخرجها عن وقتها عمداً بلا عذر ثم صلى :
فمنهم من قال : أنها تقبل صلاته لأنه عاد إلي رشده وصوابه ، ولأنه إذا كان الناسي تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 16.

(12/192)


-----------------------

ولكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة أنها لا تقبل منه إذا أخرها عن وقتها عمداً ولو صلى ألف مرة وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (1) . يعني مردود غير مقبول عند الله ، وإذا كان مردوداً فلن يقبل ، وهذا الذي أخرج الصلاة عن وقتها عمداً إذا صلاها على غير أمر الله ورسوله .وأما المعذور فهو معذور ، ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا زال عذره ، أما من ليس بمعذور فإنه لو بقي يصلي كل دهره فإنها لا تقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر فعليه أن يتوب إلي الله ، ويستقيم ويكثر من العمل الصالح والاستغفار ومن تاب تاب الله عليه .
والحمد لله رب العالمين ، وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين .

* * *

رسالة في مواقيت الصلاة
... أن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله . صلي الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً .
... أما بعد : فإن الله تعالى فرض على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة موقتة بأوقات اقتضتها حكمة الله تعالي ليكون العبد على صلة بربه تعالي في هذه الصلوات مدة الأوقات كلها ، فهي للقلب بمنزلة الماء للشجرة تسقى به وقتاً فوقتاً لا دفعة واحدة ثم يقطع عنها .
... ومن الحكمة في تفريق هذه الصلوات في تلك الأوقات أن لا يحصل الملل والثقل على العبد إذا أداها كلها في وقت واحد ، فتبارك الله تعالي أحكم الحاكمين .
... وهذه رسالة موجزة نتكلم فيها على أوقات الصلوات في الفصول التالية :
الفصل الأول : في بيات المواقيت .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 21.

(12/193)


----------------------

الفصل الثاني : في بيان وجوب فعل الصلاة في وقتها ، وحكم تقديمها في أوله أو تأخيرها عنه .
الفصل الثالث : فيما يدرك به الوقت وما يترتب على ذلك .
الفصل الرابع : في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما .
وقد مشينا فيها على ما تقضيه دلالة الكتاب والسنة ، وأسندنا المسائل إلي أدلتها ليكون المؤمن سائراً على بصيرة ويزداد ثقة و طمأنينة .
... والله المسئول المرجو الإجابة أن يثبتا على ذلك وأن يجعل فيه الخير والبركة للمسلمين ، أنه جواد كريم .

الفصل الأول
في بيان المواقيت
قال الله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 44)(1) .
وقال تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (89)(2).
فما من شئ يحتاج العباد في دينهم أو دنياهم إلي معرفة حكمه إلا بينه الله تعالى في كتابه أو سنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، فإن السنة تبين القرآن وتفسره وتخصص عمومه وتقيد مطلقه ، كما أن القرآن يبين لعضه بعضاً ويفسره ويخص عمومه ويقيد مطلقه ، والكل عند الله تعالى ، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (3) . رواه أحمد وأبو داود وسنده صحيح .
ومن أفراد هذه القاعدة الكلية العامة بيان أوقات الصلوات الخمس أوكد الأعمال البدنية فرضية وأحبها إلي الله عز وجل ، فقد بين الله تعالى هذه الأوقات في كتابه وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم بياناً شافياً ولله الحمد .
__________
(1) سورة النحل ، الآية : 44
(2) سورة النحل ، الآية :89
(3) أخرجه الإمام أحمد 4/131 ، وأبو داود : كتاب السنة / باب في لزوم السنة (4604) .

(12/194)


-----------------------------------
أما في كتاب الله فقد قال الله تعالى : )أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) (1) .
فأمر الله تعالى نبيه صلي الله عليه وسلم – والأمر له أمر لأمته معه – أن يقيم الصلاة لدلوك الشمس أي من زوالها عند منتصف النهار إلي غسق الليل وهو اشتداد ظلمته ، وذلك عند منتصفه ثم فصل فقال : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) أي صلاة الفجر وعبر عنها بالقرآن لأنه يطول فيها .
واشتمل قوله تعالى Sadلِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ). أوقات صلوات أربع هي : الظهر والعصر ، وهما صلاتان نهاريتان في النصف الأخير من النهار .
والمغرب والعشاء ، وهما صلاتان ليليتان في النصف الأول من الليل .
... أما وقت الفجر ففصله : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ )وعلم تعيين الوقت من إضافته إلي الفجر وهو تبين ضوء الشمس في الأفق .
... وإنما جمع الله تعالى الأوقات الأربع دون فصل لأن أوقاتها متصل بعضها ببعض فلا يخرج وقت الصلاة منها إلا بدخول التالية ،
وفصل وقت الفجر لأنه لا يتصل بوقت قبله ولا بعده فإن بينه وبين وقت صلاة العشاء نصف الليل الأخير ، وبينه وبين صلاة الظهر نصف النهار الأول كما يتبين ذلك من السنة إن شاء الله تعالى .
... وأما في سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لن يحضر وقت العصر ، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ،ووقت صلاة المغرب ما لم يغيب الشفق،ووقت العشاء إلي نصف الليل الأوسط،ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس "(2) وفي رواية : وقت العشاء إلي نصف الليل " ولم يقيده بالأوسط .
__________
(1) سورة الإسراء، الآية :78.
(2) تقدم تخريجه ص 208

(12/195)


--------------------------
وله من حديث أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه – عن الرسول صلي الله عليه وسلم أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً قال : فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً ثم أمره ( يعني أمر بلال كما في رواية النسائي) فأقام بالظهر حين زالت الشمس .
والقائل يقول : قد انتصف النهار وهو كان أعلم منهم ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت ( وفي رواية النسائي غربت ) ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ، ثم الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول : طلعت الشمس أو كادت . ثم أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس ، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول : قد احمرت الشمس ثم أخر المغرب حتى سقوط الشفق ، ثم أخر العشاء حتى ثلث الليل الأول،ثم أصبح فدعا السائل فقال : " الوقت بين هذين " (1)
... فاتضح بهذه الآية الكريمة والسنة النبوية القولية والفعلية بيان أوقات الصلوات الخمس بياناً كافياً على النحو التالي :
وقت صلاة الظهر من زوال الشمس- وهو تجاوزها وسط السماء إلي أن يصير ظل كل شئ مثله ابتداء من الظل الذي زالت عليه الشمس .
وقت صلاة العصر من كون ظل الشيء مثله إلي أن تصفر الشمس أو تحمر .
ويمتد وقت الضرورة إلي الغروب لحديث إبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر "(2) .متفق عليه
وقت صلاة المغرب من غروب الشمس إلي مغيب الشفق وهو الحمرة .
وقت صلاة العشاء الآخرة من مغيب الشفق إلي نصف الليل .
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب المساجد /باب أوقات الصلوات الخمس .
(2) تقدم تخريجه ص 106 .

(12/196)


---------------------------------
ولا يمتد وقتها ألي طلوع الفجر لنه خلاف ظاهر القرآن وصريح السنة حيث قال الله تعالي (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)(1)ولم يقل إلي طلوع الفجر . وصرحت السنة بأن وقت صلاة العشاء ينتهي بنصف الليل كما رأيت في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما .
وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني- وهو البياض المعترض في الأفق الشرقي الذي ليس بعده ظلمة – إلي طلوع الشمس .
وهذه المواقيت المحددة إنما تكون في مكان يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة سواء تساوى الليل والنهار أم زاد أحدهما على الآخر زيادة قليلة أو كثيرة .
أما المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرون ساعة فلا يخلو : إما أن يكون ذلك مطرداً في سائر العام ، أو في أيام قليلة منه .
فإن كان في أيام قليلة منه مثل أن يكون المكان يتخلله الليل والنهار في أربع عشرون ساعة طيلة فصول السنة ، لكن في بعض الفصول يكون فيه أربعاً وعشرين ساعة أو أكثر والنهار كذلك ، ففي هذه الحالة إما أن يكون في الأفق ظاهرة حية يمكن بها تحديد الوقت كابتداء زيادة النور مثلاً أو انطماسه بالكلية ، فيعلق الحكم بتلك الظاهرة ، وإما أن لا يكون فيه ذلك فتقدر أوقات الصلاة بقدرها في آخر يوم قبل استمرار الليل في الأربع والعشرين ساعة أو النهار .
... فإذا قدرنا أن الليل كان قبل أن يستمر عشرين ساعة ، والنهار فيما بقي من الأربع والعشرين ، جعلنا الليل المستمر عشرين ساعة فقط .
والباقي نهاراً واتبعنا فيه ما سبق في تحدي أوقات الصلوات .
__________
(1) سورة الإسراء ، الآية 78.

(12/197)


------------------------

... إما إذا كان المكان لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة طيلة العام في الفصول كلها فإنه يحدد لأوقات الصلاة بقدرها لما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر الدجال الذي يكون في آخر الزمان فسألوه عن لبثه في الأرض فقال : " أربعون يوماً ،يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم "
قالوا : يا رسول الله فذلك اليوم كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟
قال : " لا ، اقدروا له قدره " (1)
... فإذا ثبت أن المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار يقدر له قدره فماذا نقدره ؟
... يري بعض العلماء ، أنه يقدر بالزمن المعتدل ، فيقدر الليل باثنتي عشرة ساعة وكذلك النهار ، لأنه لما تعذر اعتبار هذا المكان بنفسه اعتبر بالمكان المتوسط ، كالمستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز .
ويري آخرون أنه يقدر بأقرب البلاد إلي هذا المكان مما يحدث فيه ليل ونهار في أثناء العام ، لأنه لما تعذر اعتباره بنفسه اعتبر بأقرب الأماكن شبهاً به وهو أقرب البلاد إليه التي يتخللها الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة .
وهذا القول أرجح لأنه أقوى تعليلاً وأقرب إلي الواقع . والله أعلم .

الفصل الثاني
وجوب فعل الصلاة في وقتها وحكم تقديمها في أوله
أو تأخيرها عنه
... يجب فعل الصلاة جميعها في وقتها المحدد لها لقوله تعالى : (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (:103) (2).أي فرضاً ذا وقت . ولقوله تعالي " ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (78) .(3) . والأمر للوجوب .
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب الفتنه وأشراط الساعة /باب ذكر الدجال وصفته وما معه .
(2) سورة النساء ، الآية : 103
(3) سورة النساء ، الآية : 78.

(12/198)


-------------------------

... وعن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر يوماً فقال " من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان و لا نجاة ،وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف "(1) . قال المنذري: رواه أحمد بإسناد جيد .
فلا يجوز للمسلم أن يقدم الصلاة كلها أو بعضها قبل دخول وقتها ، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى والاستهزاء بآياته .
فإن فعل ذلك معذوراً بجهل أو نسيان أو غفلة فلا إثم عليه ، وله أجر ما عمل ، وتجب عليه الصلاة إذا دخل وقتها ، لأن دخول الوقت هو وقت الأمر فإذا أتى بها قبله لم تقبل منه ولن تبرأ بها ذمته لقول النبي صلي الله عليه وسلم " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (2) . أي : مردود . رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها ، ولا يجوز للمسلم أن يؤخر الصلاة وقتها ، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالي والاستهزاء بآياته ، فإن فعل ذلك بدون عذر فهو آثم وصلاته مردودة غير مقبولة ولا مبرئه لذمته ، لحديث عائشة السابق ، وعليه أن يتوب إلي الله تعالى ويصلح عمله فيما استقبل من حياته .
وأن أخر الصلاة عن وقتها لعذر من نوم أو نسيان ، أوشغل ظن أن يبيح له تأخيرها عن وقتها فإنه يصليها متى زال ذلك العذر لحديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (3). وفي رواية : " من نسي صلاة أو نام عنها " .متفق عليه .
__________
(1) تقدم تحريجه ص 50 .
(2) تقدم تخريجه ص 21 .
(3) تقد تخريجه ص 16 .

(12/199)


-------------------------

وإذا تعددت الصلوات التي فاتته بعذر فإنه يصليها مرتبة من حين زوال عذره ولا يؤخرها إلي نظيرها من الأيام التالية لحديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة الخندق توضأ بعدما غربت الشمس فصلى العصر ثم صلى بعدها المغرب(1). متفق عليه .
... ... وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : حسبنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل قال : فدعا رسول الله صلي الله عليه وسلم بلالاً فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام الصلاة للمغرب فصلاها كذلك .(2) . رواه أحمد .
... ... وفي هذا الحديث دليل على أن الفائتة تصلى كما تصلى في الوقت ويؤيده حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – في قصة نومهم مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قال : ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ركعتين ، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم (3).الحديث رواه مسلم . وعلى هذا فإذا صلى بالنهار صلاة فائتة من صلاة الليل جهر فيها بالقراءة ، وإذا صلى في الليل فائتة من صلاة النهار أسر فيها بالقراءة كما يدل على الأول حديث أبي قتادة ، وعلى الثاني حديث أبي سعيد.
وإذا صلى الفوائت غير مرتبة لعذر فلا حرج عليه ، فإذا جهل أن عليه صلاة فائتة فصلى ما بعدها ثم علم بالفائتة صلاها ولن يعد التي بعدها ، وإذا نسي الصلاة الفائتة فصلى ما بعدها ثم ذكر الفائتة صلاها ولم يعد التي بعدها لقوله تعالى : (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )(4).
__________
(1) تقدم تخريجه ص 21 .
(2) أخرجه الإمام أحمد 3/25 .
(3) أخرجه مسلم : كتاب المساجد /باب قضاء الصلاة الفائتة …
(4) سورة البقرة ، الآية :286 .

(12/200)


-----------------------

قال أهل العلم : وإذا كان عليه فائتة فذكرها أوعلم بها عند خروج وقت الحاضرة صلى الحاضرة أولاً ، ثم صلى الفائتة لئلا يخرج وقت الحاضرة قبل أن يصليها فتكون الصلاتين كلتهما فائتتين .
... ... والأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها ، لأن هذا هو فعل النبي صلي الله عليه وسلم وهو أسبق إلي الخير ، وأسرع في إبراء الذمة .
ففي صحيح البخاري عن أبي برزة الأسلمي- رضي الله عنه – أنه سئل كيف كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلى المكتوبة ؟ قال : كان يصلى الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس . وفي رواية : إذا زالت الشمس ، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلي رحله في أقصى المدينة والشمس حية .
ونسيت ما قال في المغرب – لكن روى مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب (1)، ومن حديث رافع بن خديج : كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله (2). وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ بالستين إلي المئة (3).
__________
(1) أخرجه البخاري :كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت العصر ، ومسلم : كتاب المساجد /باب استحباب التبكير بالعصر .
(2) أخرجه مسلم : كتاب المساجد/باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس .
(3) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة /باب وقت المغرب، ومسلم : كتاب المساجد / باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس .

(12/201)


----------------------------

وله من حديث أنس : كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلي العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه . زفي رواية : كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلي قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (1)ولهما من حديث جابر- رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم يصلي صلاة العشاء أحياناً وأحياناً ، إذا رآهم اجتمعوا عجل ، وإذا رآهم أبطؤوا أخر ، والصبح كانوا أو كان النبي صلي الله عليه وسلم يصليها بغلس (2).
... وفي صحيح البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلي الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلي بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس (3) .
... وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال : مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلي الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فذكر الحديث وفيه : " ولولا أن يثقل على أنتي لصليت بهم هذه الساعة ، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلي " (4).
وفي صحيح البخاري عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه- قال كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال النبي صلي الله عليه وسلم " أبرد " ثم أراد أن يؤذن فقال له " أبرد " حتى رأينا فيء التلول " . وفي رواية حتى ساوى الظل التلول . فقال النبي صلي الله عليه وسلم " إن شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " (5).ففي هذه الأحاديث دليل على أن السنة المبادرة بالصلاة في أول وقتها سوى صلاتين :
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت العصر .
(2) تقدم تخريجه ص 190.
(3) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت الفجر .
(4) أخرجه مسلم : كتاب المساجد /باب وقت العشاء وتأخيرها .
(5) تقدم تخريجه ص 205 .

(12/202)


-------------------

الأولى : صلاة الظهر في شدة الحر فتؤخر حتى يبرد الوقت وتمتد الأفياء .
الثانية : صلاة العشاء الآخرة فتؤخر إلي ما بعد ثلث الليل إلا أن يحصل في ذلك مشقة فيراعى حال المأمومين إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر .
الفصل الثالث
فيما يدرك به الوقت وما يترتب على ذلك

يدرك الوقت بإدراك ركعة ،بمعني أن الإنسان إذا أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة فقد أدرك تلك الصلاة لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه –أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (1). متفق عليه وفي رواية : " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر "(2) .
... وفي رواية البخاري : " إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، و إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " (3).فدلت هذه الروايات بمنطوقها على أن من أدرك ركعة من الوقت بسجدتيها فقد أدرك الوقت ، ودلت بمفهومها على أن من أدرك أقل من ركعة لم يكن مدركاً للوقت .
ويترتب على هذا الإدراك أمران :
أحدهما : إنه إذا أدرك من الصلاة ركعة في الوقت صارت الصلاة كلها أداء ، ولكن لا يعني ذلك أنه يجوز له أن يؤخر بعض الصلاة عن الوقت ، لأنه يجب فعل الصلاة جميعها في الوقت .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول:" تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر فيها إلا قليلاً " (4) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 147 .
(2) تقدم تخريجه ص 106 .
(3) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة /باب من أدرك ركعة من العصر قبل المغرب .
(4) أخرجه مسلم : كتاب المساجد /باب استحباب التبكير بالعصر

(12/203)


---------------------
الأمر الثاني : إنه إذا أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة وجبت عليه سواء كان ذلك من أول الوقت أم من آخره .
مثال ذلك من أوله : أن تحيض امرأة بعد غروب الشمس بمقدار ركعة فأكثر ولم تصل المغرب ، فقد وجبت عليها صلاة المغرب حينئذ فيجب عليها قضاؤها إذا طهرت .
ومثال ذلك آخره : أن تطهر امرأة من الحيض قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة فأكثر ، فتجب عليها صلاة الفجر .
فإذا حاضت بعد غروب الشمس بأقل من مقدار ركعة أو طهرت قبيل طلوع الشمس بأقل من ركعة لم تجب عليها صلاة المغرب في المسألة الأولي و لا صلاة الفجر في المسألة الثانية ،لأن الإدراك فيها أقل من مقدار ركعة .

الفصل الرابع
في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما

... سبق في الفصل الثاني بيان وجوب فعل كل صلاة في وقتها المحدد لها وهذا هو الأصل ، لكن إذا وجدت حالات تستدعي الجمع بين الصلاتين أبيح الجمع ، بل كان مطلوباً ومحبوباً ‘لي الله تعالى لموافقته لقاعدة الدين الإسلامي التي أشار الله تعالى إليها بقوله " ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )(1) .
... وقوله (ِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (2) .
... وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إن الدين يسر ولن يشاد أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا " (3) .
... وفي الصحيحين عن أبي موسى أن النبي صلي الله عليه وسلم قال حين بعثه ومعاذاً إلي اليمن : " يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا " (4) .
__________
(1) سورة البقرة ، الآية : 185 .
(2) سورة الحج ، الآية : 78 .
(3) تقدم تخريجه ص 217 .
(4) أخرجه البخاري : كتاب المغازي /باب بعث أبي موسى ومعاذ إلي اليمن قبل حجة الوداع ، ومسلم : كتاب الجهاد والسير /باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير .

(12/204)


----------------------
وفي رواية لمسلم عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال : كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره قال : " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " (1) .وفيهما عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " يسروا ولا تعسروا وبشروا ( وفي رواية : سكنوا ) ولا تنفروا " (2) .
إذا تبين هذا فقد وردت السنة بالجمع بين الصلاتين : الظهر والعصر ، أو المغرب والعشاء في وقت إحداهما في عدة مواضع :
الأول : في السفر سائراً أو نازلاً :
ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : كان النبي صلي الله عليه وسلم يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر (3) .
وفي صحيح مسلم عنه قال : كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول العصر فيجمع بينهما (4).
... وفيه أيضاً عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك ، فجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء (5).
وفيه عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال : خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً (6) .
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب الجهاد والسير/ باب الأمر بالتيسير وترك التنفير .
(2) أخرجه البخاري : كتاب الأدب /باب قول النبي صلي الله عليه وسلم " يسروا ولا تعسروا " ، ومسلم : كتاب الجهاد والسير /باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير .
(3) أخرجه البخاري: كتاب التقصير الصلاة / باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء .
(4) أخرجه مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر .
(5) أخرجه مسلم : كتاب صلاة المسافرين / باب الجمع بين الصلاتين في الحضر .
(6) أخرجه مسلم : كتاب صلاة المسافرين / باب الجمع بين الصلاتين في الحضر .

(12/205)


--------------------------

وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة –رضي الله عنه – حين أتي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الأبطح بمكة في الهاجرة (أي وقت الظهر ) قال : فخرج بلال فنادى بالصلاة ، ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله صلي الله عليه وسلم فوقع الناس عليه يأخذون منه ، ثم دخل فأخرج العنزة وخرج النبي صلي الله عليه وسلم ( أي من قبة كان فيها أدم ) كأني أنظر إلي بياض ساقيه فركز العنزة ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين .(1) .
وظاهر هذه الأحاديث أنه كان يجمع بين الصلاتين وهو نازل ، فإما أن يكون ذلك لبيان الجواز ، أو أن ثمة حاجة إلي الجمع ، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يجمع في حجته حين كان نازلاً بمنى ، وعلى هذا فنقول : الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع ، وأن جمع فلا بأس إلا أن يكون في حاجة إلي الجمع إما لشدة تعبه ليستريح ، أو لمشقة طلب الماء عليه لكل وقت ونحو ذلك فإن الأفضل له الجمع واتباع الرخصة .
وأما المسافر السائر فلأفضل له الجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء – حسب الأيسر له – إما جمع تقديم يقد الثانية في وقت الأولي ، وإما جمع تأخير يؤخر الأولي إلي وقت الثانية .
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس – أي تزول – أخر الظهر إلي وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل
صلى الظهر ثم ركب (2) .
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب الوضوء / باب استعمال فضل وضوء الناس .
(2) أخرجه البخاري : كتاب تقصير الصلاة / باب يؤخر الظهر إلي العصر ، ومسلم : كتاب صلاة المسافرين / باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر .

(12/206)


---------------------------

... ... وذكر في فتح الباري أن إسحاق بن راهويه روى هذا الحديث عن شبابة فقال : كان إذا في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل . قال : وأعل بتفرد إسحاق به شبابة ، ثم تفرد جعفر الغريابي به عن إسحاق قال : وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان (1) .
الثاني : عند الحاجة إلي الجمع بحيث يكون في تركه حرج ومشقة سواء كان ذلك في الحضر أم في السفر .
لما رواه مسلم عن ابن عباس – رضي الله عنهما- أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر فقيل لم فعل ذلك ؟ قال : " كي لا يحرج أمته " (2) .
وروي عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال : جمع رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك بن الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، فقيل ما حمله على ذلك ؟ قال : " أراد أن لا يحرج أمته " (3) .
ففي هذين الحديثين دليل على أنه كلما دعت الحاجة إلي لجمع بين الصلاتين وكان في تركه حرج ومشقة فهو جائز سواء كان ذلك في حضر أو في سفر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته ، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة ، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى ، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة و أمثال ذلك من الصور" اهـ . ونقل في الإنصاف عنه أي عن شيخ الإسلام ابن تيمية جواز الجمع لتحصيل الجماعة إذا كانت لا تحصل له لو صلى في الوقت ، قلت : ودليل ذلك ظاهر من حديث ابن عباس حيث دل على جواز الجمع للمطر وما ذلك إلا لتحصيل الجماعة لأنه يمكن لكل واحد أن يصلي في الوقت منفرداً ويسلم من مشقة المطر بدون جمع .
__________
(1) فتح الباري 2/679 .
(2) تقدم تخريجه ص 34 .
(3) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 5/ 237، وأبو داود : كتاب الصلاة / باب الجمع بين الصلاتين .

(12/207)


-------------------------

الموضوع الثالث : الجمع في عرفة ومزدلفة أيام الحج :
ففي صحيح مسلم من حديث جابر –رضي الله عنه – في صفة حج النبي صلي الله عليه وسلم قال : فأجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتي بطن الوادي فخطب الناس ، قال : ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً (1) .
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد وكان رديف النبي صلي الله عليه وسلم من عرفة إلي المزدلفة قال : فنزل الشعب فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له : الصلاة أمامك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
رأفت محمد
زائر
avatar


مُساهمةموضوع: فتوى   الثلاثاء 13 سبتمبر 2016 - 18:14

اذا فاتت صلاتين لعذر فهل فأيما نبدأ هل بالصلاة الحالية ام الصلاتين الاخريتين اذا كانت الحالية مضى عليها مدة اي بعد الجماعو
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
فتاوي مهمه في الصلاه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اسلام ويب :: ۩✖ المكتبه الاسلاميه والفتاوي الشرعيه ۩✖ :: فتــــاوي واسئله :: الفتـــاوي الحيـــه-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: